محمد حسين هيكل
18
حياة محمد ( ص )
حتى أرسلوا جيشا عرموما عدّته مائة ألف في رواية ، ومائتا ألف في رواية أخرى ، مما أدّى إلى غزوة تبوك . وقد انسحب فيها الروم أمام المسلمين الذين خرجوا ومحمد على رأسهم لدفع عدوان لم يكن له ما يسوّغه . من يومئذ وقف المسلمون والنصارى موقف خصومة سياسية حالف النصر فيها المسلمين قرونا متتالية امتدّت إمبراطوريتهم في أثنائها إلى الأندلس غربا وإلى الهند والصين شرقا . وآمنت أكثر أجزاء هذه الإمبراطورية بالدين الجديد واستقرّت فيها لغته العربية . فلما آن لدورة التاريخ أن تدور ، طرد النصارى المسلمين من الأندلس ، وحاربوهم الحروب الصليبية ، وأخذوا يطعنون في دينهم ونبيهم طعنا كله فحش وكذب وافتراء ؛ ونسوا في فحشهم ما بلّغ محمد عليه السلام في أحاديثه ، وما بلّغ القرآن في الوحي الذي نزل عليه ، من رفع مقام عيسى عليه السلام إلى المستوى الذي رفعه اللّه إليه . كتّاب المسيحية ومحمد جاء في موسوعة لآروس الفرنسيّة خلال العرض لآراء كتّاب المسيحية إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر ممن نالوا من محمد شرّ نيل ما يأتي : « بقي محمد مع ذلك ساحرا ممعنا في فساد الخلق ، لصّ نياق ، كردينالا لم ينجح في الوصول إلى كرسي البابوية ، فاخترع دينا جديدا لينتقم من زملائه . واستولى القصص الخيالي والخليع على سيرته . وسيرة باهورميه ( محمد ) تكاد تقيم أدبا من هذا النوع . وقصة محمد التي نشرها رينا وفرانسيسك ميشيل سنة 1831 تصوّر لنا الفكرة التي كانت لدى أهل العصور الوسطى عنه . وفي القرن السابع عشر نظر بيل في تاريخ أبي القرآن نظرة تاريخية . مع ذلك ظلّت مقرّرات ظالمة ثابتة في نفسه عنه . على أنه يعترف مع ذلك بأن النظام الخلقي والاجتماعي الذي أقامه لا يختلف عن النظام المسيحي لولا القصاص وتعدّد الزوجات » . وإن واحدا من المستشرقين الذين عرضوا لحياة محمد بشيء من الإنصاف ذلك هو الكاتب الفرنسي إميل درمنجم - ليذكر بعض هذا الذي كتب إخوانه في الدين فيقول « 1 » : « لمّا نشبت الحرب بين الإسلام والمسيحية اتّسعت هوّة الخلف وسوء الفهم بطبيعة الحال وازدادت حدّة . ويجب أن يعترف الإنسان بأن الغربيين كانوا السابقين إلى أشدّ الخلاف . فمن البزنطيين من أوقروا الإسلام احتقارا من غير أن يكلّفوا أنفسهم - فيما خلا جان داماسيين - مؤونة دراسته . ولم يحارب الكتّاب والنظامون مسلمي الأندلس إلا بأسخف المثالب . فقد زعموا أن محمدا لص نياق ، وزعموه متهالكا على اللهو ، وزعموه ساحرا ، رئيس عصابة من قطّاع الطرق ، بل زعموه قسّا رومانيّا مغيطا محنقا أن لم ينتخب لكرسي البابوية . . وحسبه بعضهم إلها زائفا يقرّب له عباده الضحايا البشرية . وإن چبيردنوچن نفسه ، وهو رجل جدّ ، ليذكر أن محمدا مات في نوبة سكربيّن ؛ وأن جسده وجد ملقى على كوم من الرّوث وقد أكلت منه الخنازير ، وذلك ليفسر السبب الذي من أجله حرّم لحم ذلك الحيوان . وذهبت الأغنيات إلى حدّ أن جعلت محمدا صنما من ذهب وجعلت المساجد الإسلامية برابيّ ملأى بالتماثيل والصور ! ! وقد تحدث واضع أغنية أنطاكية حديث من رأى صنم « ماحوم » مصنوعا من ذهب ومن فضة خالصين وقد جلس فوق فيل على مقعد من الفسيفساء . أمّا أغنية رولان التي تصوّر فرسان شارلمان يحطّمون الأوثان الإسلامية فتزعم أن مسلمي الأندلس يعبدون ثالوثا مكوّنا من ترفاجان وماهوم وأبلون . وتحسب « قصة محمد » أن الإسلام يبيح للمرأة تعدّد الأزواج !
--> ( 1 ) راجع كتاب در منجم ( حياة محمد ) ص 135 وما بعدها .